الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
21
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن جملة : لتستووا على ظهوره إشارة إلى أن الله سبحانه قد خلق هذه المراكب على هيئة تستطيعون معها ركوبها بصورة جيدة ، وتصلون إلى مقاصدكم براحة ويسر ( 1 ) . لقد أوضحت هذه الآية هدفين لخلق هذه المراكب البحرية والبرية ، من الفلك والأنعام ، أحدهما : ذكر نعم الله سبحانه حين الاستواء على ظهورها ، والآخر : تنزيه الله سبحانه الذي سخرها للإنسان ، فقد جعل الفلك على هيئة تقدر أن تشق صدر الأمواج وتسير نحو المقصد ، وجعل الدواب والأنعام خاضعة لأمر الإنسان ومنقادة لإرادته . " مقرنين " من مادة " إقران " ، أي امتلاك القدرة على شئ ، وقال بعض أرباب اللغة : إنه يعني مسك الشئ وحفظه ، وفي الأصل بمعنى وقوع الشئ قرينا لشئ آخر ، ولازم ذلك القدرة على حفظه ( 2 ) . بناء على هذا ، فإن معنى جملة وما كنا له مقرنين هو أنه لو لم يكن لطف الله وعنايته لما كان بإمكاننا السيطرة على هذه المراكب وحفظها ، ولتحطمت بفعل الرياح المخالفة لحركة السفن ، وكذلك الحيوانات القوية التي تفوق قوتها قوة الإنسان أضعافا ، ما كان الإنسان ليستطيع أن يقترب منها مطلقا لولا روح التسليم التي تحكمها ، ولذلك حين يغضب أحد هذه الحيوانات ويفقد روح التسليم ، فإنه سيتحول إلى موجود خطر لا يقوى عدة أشخاص على مقابلته ، في حين أن من الممكن في حالة سكونها ودعتها - أن تربط عشرات ، بل مئات منها بحبل وزمام ، ويسلم بيد صبي ليذهب بها حيث يشاء ، وكأن الله سبحانه يريد أن يبين للإنسان نعمة الحالة الطبيعية للحيوانات من خلال بيان الحالة الاستثنائية .
--> 1 - الضمير في " على ظهوره " يعود على " ما " الموصولة والتي وردت في جملة " ما تركبون " وهي تشمل السفن والدواب ، وكونه مفردا لظاهر اللفظ . 2 - جاء في لسان العرب : " أقرن له وعليه " : أطاق وقوي عليه واعتلى ، وفي التنزيل العزيز : وما كنا له مقرنين .